النويري
64
نهاية الأرب في فنون الأدب
وقيل : بعث بعض الملوك في رجل وجد عليه فظفر به ، فلما مثل بين يديه قال : أيها الأمير ، إنّ الغضب شيطان فاستعذ باللَّه منه ، وإنما خلق العفو للمذنب والتجاوز للمسئ ، فلا يضيق علىّ ما يسع الرعيّة من حلمك وعفوك ؛ فعفا عنه وأطلق سبيله . وقال خالد بن عبد اللَّه لسليمان بن عبد الملك حين وجد عليه : يا أمير المؤمنين ، إنّ القدرة تذهب الحفيظة ، وأنت تجلّ عن العقوبة ، ونحن مقرّون بالذنب ، فإن تعف عنّى فأهل ذلك أنت ، وإن تعاقبنى فأهل ذلك أنا ؛ فعفا عنه . وقيل : أتى الحجاج بأسرى من الخوارج ، فأمر بضرب أعناقهم فقتلوا ، حتى قدّم شابّ منهم فقال : واللَّه يا حجّاج إن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو ؛ فقال الحجاج : أفّا لهذه الجيف ! أما كان فيهم من يقول مثل هذا ! وأمسك عن القتل . وأتى الحجاج بأسرى فأمر بقتلهم ، فقال له رجل منهم : لا جزاك اللَّه يا حجّاج عن السّنّة خيرا ، فإنّ اللَّه تعالى يقول : * ( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وإِمَّا فِداءً ) * ، فهذا قول اللَّه تعالى في كتابه ، وقال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق : وما نقتل الأسرى ولكن نفكَّهم إذا أثقل الأعناق حمل القلائد فقال الحجّاج : ويحكم ! أعجزتم أن تخبرونى ما أخبرني به هذا المنافق ! وأمسك عمن بقي .